لماذا نتعلم العربية وقواعدها؟ طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

لماذا نتعلم العربية وقواعدها؟

الحمد لله، خالق الألسن واللغات، واضع الألفاظ للمعاني بحسب ما اقتضته حكمه البالغات، الذي علم آدم الأسماء كلها، وأظهر بذلك شرف اللغة وفضلها، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، أفصح الخلق لسانًا، وأعربهم بيانًا، وعلى آله وصحبه، أكرم بهم أنصارًا وأعوانًا، وبعد؛

فيجول في خاطر الطلبة أسئلة كثيرة، مثل: لماذا نتعلم قواعد اللغة العربية؟! وما فائدة ذلك؟! وهل سأعرب الكلام عندما أتحدث إلى الناس؟!

لا أخفي عليكم أن هذا السؤال راودني من قبل عندما كنت في مثل سنهم، فبينما كنا نتحلق حول الأستاذ وهو يبين لنا إحدى القواعد اللغوية، إذ دخل علينا رجل يطلب توقيع الأستاذ لأمر ما، وجال نظر الرجل في غرفة الصف إلى أن وقع على اللوح، وما إن رأى ما هو مكتوب، حتى أبدى نظرات الاستغراب والاستهجان، ولسان حاله يقول "أفّ لكم ولما تعبدون! تبا لكم! ألهذا اجتمعتم؟!" كان دخوله إلى غرفة الصف كمن أيقظ نائما مرتاحا مستمتعا في حلمه.

ربما يشكو كثير من الطلبة من قواعد العربية وصعوبتها لأنهم يرونها ميدانا صعب المراس، أو لأنها تقدم لهم بأسلوب جاف لا روح فيه، فتبدو وكأنها قوانين صارمة، ليس عليهم إلا أن يحفظوها ويكرروها دون فائدة أو حتى دون أن يفهموا كنهها.

هل خطر على قلب أحد أن يسأل أستاذه: ما معنى "إعراب"؟ ولم سمي بذلك؟ ولماذا اللغة العربية معربة؟ أو خطر على قلب أستاذ أن يبين ذلك لطلبته، أو أن يبين لهم أن المعنى لا يستقيم إلا بقواعد صحيحة، وأن علم النحو معنى؟!

ذكر الأنباري (577ه) في كتابه "أسرار العربية" أن الإعراب سُمِّي إعرابًا لثلاثة وجوه:

أحدها: لأنه يبين المعاني، مأخوذ من قولهم: أعرب الرجل عن حجته، إذا بينها، ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "الثَّيب تُعرب عن نفسها." فلما كان الإعراب يبين المعاني سُمِّي إِعرابًا.

والوجه الثاني: أن يكون سُمّي إعرابًا لأنه تغير يلحق أواخر الكلم، من قولهم: "عربت معدة الفصيل" إذا تغيَّرت؛ فإن قيل: "العَرَبُ" في قولهم معناه الفساد، وكيف يكون الإعراب مأخوذًا منه؟ قيل: معنى قولك: أعربت الكلام، أي: أزلت عَرَبه، وهو فساده، وصار هذا؛ كقولك: أعجمت الكتاب، إذا أزلت عجمته، وأشكيت الرجل، إذا أزلت شكايته، وعلى هذا، حمل بعض المفسرين قوله تعالى "إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا" (طه15) أي: أزيل خفاءها، وهذه الهمزة تسمّى همزة السَّلب.

والوجه الثالث: أن يكون سُمِّي إعرابًا لأن المعرب للكلام كأنه يتحبب إلى السامع بإعرابه؛ من قولهم: امرأة عروب، إذا كانت متحببة إلى زوجها، قال الله تعالى "عُرُبًا أَتْرَابًا" (37) أي: متحببات إلى أزواجهن، فلما كان المعرب للكلام كأنه يتحبب إلى السامع بإعرابه سُمِّي إعرابًا.

في ما يلي أربع أمثلة بمنزلة الأدلة تؤكد ما سبق من أهمية تعلم قواعد العربية وفهمها:

أولا. يروى أن أعرابيا قدم في زمان عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، فقال: من يقرئني ممَّا أُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم؟ قال: فأقرأه رجل "براءة" (سورة التوبة)، فقال: "إنَّ الله بَرِيءٌ منَ الْمُشْركِينَ وَرَسُولِهِ" أي بجر "وَرَسُولِهِ" (عطفها على "المشركين")، فقال الأعرابي: أوقد برئ الله من رسوله؟! فإن يكن الله برئ من رسوله فأنا أبرأ منه. فبلغ عمر مقالة الأعرابي، فدعاه، فقال: يا أعرابي. أتبرأ من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنّي قدمت المدينة، ولا علم لي بالقرآن، فسألت من يقرئني، فأقرأني هذا سورة براءة، فقال: "إنَّ الله بَريءٌ منَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولِهِ" فقلت: أوقد برئ الله من رسوله؟! إن يكنَ الله برئ من رسوله فأنا أبرأ منه. فقال عمر: ليس هكذا يا أعرابي، قال: فكيف هي يا أمير المؤمنين؟ قال: "إنَّ الله بَريءٌ منَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ" أي بضم "رَسُولُ". فقال الأعرابي: وأنا أبرأ ممن برئ اللهُ ورسولُه منه. فأمر عمر بن الخطّاب رضي الله عنه ألا يُقرئ النَّاسَ إلا عالمٌ باللُّغة، وأمر أبا الأسود فوضع علم النّحو.

ثانيا. لفعل الأمر معنى حقيقي ومعان مجازية، لذلك لا بد من أن يدرك الإنسان المتعلم تلك المعاني ليفهم المراد من الكلام، ففي قوله تعالى "إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" (فصلت40) فعل الأمر "اعملوا" لا يمكن أن يكون أمرا حقيقيا، بل إن له معنى مجازيا وهو "التهديد"، فالله عز وجل يهدد من يلحدون في آياته ويخوفهم ليرجعوا إلى سبيل الحق.

ثالثا. في قوله تعالى "أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (الأنعام122) استعار الله "الموت" مكان الكفر، و"الحياة" مكان الهداية، و"النور" مكان الإيمان.

رابعا. الأنبياء أكرم خلق الله وأعظمهم أخلاقا، وهم أحرص على رضا الله والوصول إلى أرقى درجات الكمال، ويتجلى ذلك في موقف سيدنا إبراهيم صلى الله عليه وسلم عندما دخلت عليه الملائكة فحيته، ولقد رد لهم التحية بأحسن منها، والله يقول "وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا" (النساء86)، فمن كمال الأدب وحسن الامتثال لله أن يرد إبراهيم عليه الصلاة والسلام التحية بأحسن منها، ودليل ذلك في الآية الكريمة "وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ" (هود69)، ألقت الملائكة التحية على إبراهيم عليه الصلاة والسلام بجملة فعلية "قالوا سلامًا: أي نسلم سلامًا"، ورد عليهم التحية بجملة اسمية "سلامٌ: أي عليكم سلامٌ"، والاسم أثبت وأقوى في المعنى من الفعل.

روي أن المغيرة بن شعبة قال لما سمع القرآن يتلوه النبي محمد صلى الله عليه وسلم: "وماذا أقول؟! فوالله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه ولا بقصيدته مني، ولا بأشعار الجن. والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، ووالله إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلا، وإنه ليحطم ما تحته."

نتعلم العربية قواعدها لتستقيم ألسنتنا مؤدية المعنى صحيحا لا عوج فيه؛ نتعلمها لنفهم كلام الله الذي أنزل بلسان عربي مبين، قال الله تعالى "إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" (يوسف2)، فعندما نفهم لغتنا حق الفهم نتلذذ بسماع كلام الله؛ نتعلمها لأنها تحفز العقل على التفكير والإبداع، قال الله تعالى "كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ" (فصلت3)، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه "تعلموا العربية، فإنها تثبت العقل، وتزيد في المروءة."؛ نتعلمها لأنها أعظم اللغات على وجه الأرض وأقواها؛ نتعلمها لأنها هويتنا ورمز عزتنا وكرامتنا؛ نتعلمها لأننا نحبها!

بقلم المعلم: محمد صالح

 

هاتف فرعي 2991 modelschool@yu.edu.jo