تنقيب لغوي طباعة

بسم الله الرحمن الرحيم

تنقيب لغوي

الحمد لله، خالق الألسن واللغات، واضع الألفاظ للمعاني بحسب ما اقتضته حكمه البالغات، الذي علم آدم الأسماء كلها، وأظهر بذلك شرف اللغة وفضلها، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، أفصح الخلق لسانًا، وأعربهم بيانًا، وعلى آله وصحبه، أكرم بهم أنصارًا وأعوانًا، وبعد؛

فإن ما انفردت به العربية عن سائر اللغات أن قال الله، عز وجل: " إنا أنزلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون" (يوسف2)؛ ومما تميزت به العربية، كذلك، الدقة في استعمال التراكيب اللغوية، والدقة في خلع الألفاظ على المعاني، فتجدها تفصل تفصيلًا دقيقًا في تسمية الأشياء. وفي هذا المقال، سيُبين جانب من دقتها.

احتلال، استعمار

اشتُهر، بين الناس، تسمية ظلم العدو الواقع في أرضنا العربية والإسلامية بـ"الاحتلال" أو "الاستعمار"؛ وفي ذلك مجاوزة عن أصل الدلالة. ورد في المعاجم أن الجذر "حلل" يدل على نزول القوم بالمكان، وهو نقيض الارتحال، ويدل، أيضًا، على اتخاذ الشيء حلالًا. وورد الجذر "عمر" دالًا على الحياة والبقاء، وعلى عمارة (بناء) الخراب، وذكر في القرآن الكريم: "هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها" (هود61) للدلالة على البناء والإعمار، وهذا مما خلق الإنسان من أجله في الأرض، ويصدق ذلك قوله، جل جلاله: "إني جاعل في الأرض خليفة" (البقرة30).

وكأننا نقر، بكلمتي "احتلال" و "استعمار"، أن العدو الظالم جاء إلى بلادنا ليحط رحاله فيها بعد عناء ارتحال (سفر) طويل، وليعمرها بعد خراب. ما فعله العدو بأرضنا إنما هو ظلم واغتصاب وبطش واعتداء على الحقوق، ليس "احتلالًا" أو "استعمارًا".

تم

وردت كلمة "تم" في المعجم لتدل على تمام الشيء، كقوله تعالى : "وتمت كلمة ربك صدقًا وعدلًا" (الأنعام115)؛ لكن، في عصرنا الحاضر، يكاد يطبق الناس على استعمالها بصيغة مخالفة عما وردت به، فيقال: "تمّ الاتفاق، تمّ الأخذ، تمّ الحديث عن كذا، تمّ اعتماد الشيء..." وهذا كله ينقضه تركيب لغوي فصيح، وهو صيغة الفعل المبني للمجهول، وهي صيغة عربية أصيلة صحيحة فصيحة دقيقة، فيقال بدلًا من ذلك كله: " اتُفِق، أُخِذ، تُحُدّث، اعتُمِد..."

صيغة المجهول+ بواسطة/ من قِبَل

يشيع، عند بعض المتكلمين، استعمال صيغة المبني للمجهول في العربية كاستعمالها في الإنجليزية، مثل: قُرِأَ الكتابُ من قبل الطلبة؛ وهذا الاستعمال ليس له وجود في العربية؛ يقال، في العربية:

قَرَأَ الطلبةُ الكتابَ: مبني للمعلوم----- قُرِأَ الكتابُ: مبني للمجهول

والعربية تختلف عن الإنجليزية في استعمال صيغة المبني للمجهول؛ تستعمل صيغة المبني للمجهول في العربية لأسباب كثيرة، ليس فقط للجهل بالفاعل، بل الجهل بالفاعل سبب من تلك الأسباب؛ فتستعمل صيغة المبني للمجهول لأغراض لفظية، كالسجع وإقامة الوزن الشعري؛ وأغراض معنوية، كالجهل بالفاعل، أو العلم به مما يسوغ حذفه، أو الخوف منه، أو الخوف عليه، أو التعظيم...إلخ.

قام بـ

يكثر استعمال تركيب "قام بـ" متبوعًا بمصدر فعل معين، مثل: " قام بأخذ، قام بسلب، قام بكتابة، قام بتكرار...." نستطيع، بدلًا من ذلك كله، أن نقول: "أخذ، سلب، كتب، كرر...." لا حاجة لمثل هذه التراكيب الدخيلة مادامت العربية لم تستعملها. أن نستعمل الفعل وحده أفضل وأيسر من أن نستعمل مثل ذلك التركيب.

ما أحوجنا، في هذه الأيام، إلى أن نعود إلى لغتنا الخالدة، نستقيها من كتاب الله تعالى! رحم الله عمر بن الخطاب، القائل: " تعلموا العربية، فإنها تثبت العقل، وتزيد في المروءة."!

بقلم الأستاذ: محمد الزواتي

 

هاتف فرعي 2991 modelschool@yu.edu.jo